نبذة تاريخية عن محافظة الغاط

نبذة تاريخية عن محافظة الغاط
إن من أقدم الأمم والقبائل التي سكنت واستوطنت منطقة نجد أو مرت بها قبيلتي عاد وثمود البائدتين، والشواهد على ذلك كثيرة، فقبيلة عاد موطنها ـ كما ورد في القرآن الكريم ـ هو الأحقاف (شمالي حضرموت)، ومن السهولة انتقال بعض منهم ناحية نجد، وقد نسب إليهم بعض المواقع في نجد، مثل: قصر سدوس. أما قبيلة ثمود بموطنها ـ كما هو معروف ـ مدائن صالح بالعلا (الحجر)، إلا أن وجود نقوش ثمودية في مواقع متناثرة في منطقة نجد (ومنها ما هو في محافظة الغاط) دليل على سكنهم المنطقة أو مرورهم بها.

كما أن موطن قبيلتي طسم وجديس هو اليمامة (موقع مدينتي الرياض والخرج حالياً)، فلا يستبعد أن يمتد نفوذهما شمالاً؛ وذلك لسهولة الاتصال وعدم وجود عوائق تذكر امام تنقلهم ومن ذلك (القريتان) الواقعتان حول القصيم التي يذكر العلماء أنهما لطسم وجديس. وقد ذكر عبد الله ابن خميس: “… أما مساكن “طسم” و”جديس” فأكثر ما اتفقت عليه المصادر عن تاريخ هاتين القبيلتين أنها “اليمامة” بمفهومها القديم، أي “جبل العارض” الممتد من “الربع الخالي” جنوباً إلى رمال “الثويرات” شمالاً بما يقدر طوله بألفي ميل، وما اتصل بهذا الجبل غرباً وشرقاً من أقاليم وبلدان بما يقدر بخمسمائة ميل من الغرب للشرق…”.

وظهرت في نجد ـ أيضاً ـ مملكة كندة وعاصمتها قرية الفاو، وامتد نفوذها ليشمل جميع قبائل وسط الجزيرة العربية وشرقها وشمالها الشرقي حتى حدود مملكة لخم بالعراق، وفي فترة من فتراتهم جعلوا مقرهم بطن عاقل جنوبي وادي الرمة على الطريق بين البصرة ومكة المكرمة.

وخلال الفترة التي سبقت ظهور الإسلام تحولت منطقة نجد بسبب هجرة بعض القبائل إليها إلى وحدات قبلية متفرقة متناحرة، فشهدت المنطقة معارك طاحنة بين القبائل، وطغى النظام القبلي على المنطقة، ومن أبرز القبائل التي هاجرت إلى المنطقة واستوطنتها خلال هذه الفترة: قبيلة بني حنيفة، وقبيلة بني عامر بن صعصعة، وقبيلة بني تميم.. وغيرها، واستوطنت قبيلة تميم شمالي اليمامة (منطقة سدير وما جاورها شمالاً، ومنها الأراضي الواقعة في محافظة الغاط)، والوشم وجنوبه.

وكانت اليمامة في عهد الخلفاء الراشدين ـ مثل باقي الولايات ـ تحظى بعناية الخليفة وإشرافه عليها سواء أكانت مرتبطة به مباشرة أم كانت ضمن ولايات أخرى. وشارك كثير من أهل اليمامة من مختلف قبائلها في الأحداث والمعارك الإسلامية، وقاد بعض من أهلها جيوش الفتح الإسلامي، وتولوا ولايات إسلامية ومناصب قضائية في الدولة الإسلامية.

وفي العصر الأموي كانت اليمامة ضمن الولايات الإسلامية التابعة للخلافة، إلا أن ولايتها كانت أحياناً تتبع المدينة وأحياناً أخرى تتبع الخليفة مباشرة. وفي عام 64هـ تقريباً ظهر باليمامة نجدة بن عامر الحنفي، وانفصل عن الدولة الأموية، فأقام دولة قوية مترامية الأطراف، واستطاع أن يمد سلطانه إلى معظم شبه الجزيرة العربية، واستمر كذلك إلى أن قتله قومه عام 72هـ، وعادت اليمامة بعد ذلك للانضمام تحت لواء الدولة الأموية.

وفي العصر العباسي كانت اليمامة ـ في صدر الخلافة العباسية ـ تابعة للمدينة المنورة ومكة المكرمة تارة، والبحرين تارة أخرى، وأحياناً العراق، إلا أن الوضع اختلف في فترات ضعف الدولة العباسية، فقد ظهرت باليمامة حركة التمرد والإخلال بالأمن مما حدا الخليفة العباسي الواثق (227-232هـ) إلى إرسال الجيوش للمنطقة والتصدي لهذه الحركات، فأرسل أبرز قادته وهو بغا الكبير إلى المنطقة وأخضع قبائلها.

ومع بداية النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ظهر الأخيضريون في اليمامة وأسسوا دولتهم، واتخذوا من الخضرمة (الخرج حالياً) قاعدة لهم، واستقلوا عن الدولة العباسية، وقد أشارت بعض المصادر التاريخية إلى أن أبعد منطقة من جهة الشمال سيطر عليها الأخيضريون هي بلدة لاقرينة (شمالي الرياض بنحو 80 كيلاً) حالياً، مما يعني أن الأطراف الشمالية لليمامة ـ حيث تقع الغاط ـ وما يليها شمالاً لم تخضع لحكم الأخيضريين.

وبعد سقوط دولة الأخيضريين أواخر القرن الخامس الهجري لم يقم باليمامة كيان إقليمي منظم، فعاشت اليمامة في فراغ سياسي سيطرت فيه القوى المحلية وتنازعت بينها، وانتشرت حالة من الفوضى السياسية والأمنية بالمنطقة.

وتذكر المصادر أن من أبرز القوى المحلية التي سيطرت على اليمامة ـ بعد سقوط الأخيضريين ـ بني كلاب وذلك خلال القرن السادس وأوائل القرن السابع، ومنذ مطلع القرن السابع بدأ بنو حنيفة ـ سكان وسط اليمامة ـ استعادة ما فقدوه، وأخذوا يستأنفون نفوذهم الذي سلبهم إياها الأخيضريون، كما أشارت تلك المصادر ـ أيضاً ـ إلى قوة ظهرت في اليمامة نتيجة تحالف سياسي بين فروع بعض القبائل وأطلق عليها “عائذ”، فسيطر عائذ بنو سعد (سعيد) على الجزء الشمالي من اليمامة (حرمة، وجلاجل، ووادي الفقي، والتويم..)، على حين سيطر بنو يزيد (آل يزيد) على الجزء الأوسط من اليمامة (ملهم، وبنبان، وحجر، ومنفوحة، والبرة، والعويند، وجو….)، أما بنو مزيد (المزايدة) فقد سيطروا على الجزء الجنوبي الأعلى من اليمامة (البخراء، والحلوة، والهزيم، والبريك، ونعام، والخرج…)، وكذلك سيطر الدواسر على الجزء الجنوبي الأسفل اليمامة (وادي الدواسر…). ولكن ما لبث هذا الحلف أن ضعف خلال القرن الثامن الهجري، وخاصة في الجزء الشمالي من اليمامة؛ إذ يبدو أن عائذ بني سعد (سعيد) قد نزحوا من المنطقة إما لأسباب سياسية مثل تعرضهم لغزو خارجي، أو لأسباب طبيعية نتيجة الجفاف الذي يسود المنطقة.

واستمر الوضع في اليمامة ـ خاصة الأجزاء الشمالية ـ في حالة من الاضطراب السياسي حتى ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومناصرة أمير الدرعية محمد بن سعود له، وقيام الدولة السعودية الأولى التي بسطت نفوذها على معظم أجزاء الجزيرة العربية.

المصدر : كتاب محافظة الغاط للمؤلف الأستاذ : محمد بن أحمد الراشد


اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 4 مشتركين

حسابنا على تويتر